الأقسام التحضيرية بثانويات التميز في المغرب: عندما تصنع المملكة مهندسي المستقبل

ملف خاص قراءة في 5 دقائق

رهان طموح أصبح حقيقة

قبل حوالي عشر سنوات، ظهرت فكرة طموحة لإنشاء مؤسسات قادرة على تكوين أفضل حاملي البكالوريا في المملكة ودفعهم نحو أكبر مدارس الهندسة والتجارة في العالم. لم تكن الفكرة تتمحور حول ثانويات عمومية عادية، ولا مدارس خاصة نخبوية حكراً على العائلات الميسورة. بل كان الهدف خلق شيء جديد، أكثر عدلاً وأكثر صرامة في نفس الوقت.

هذه المؤسسات موجودة اليوم، وتُعرف باسم 'ثانويات التميز'. تعمل هذه المؤسسات بفضل شراكات استراتيجية بين وزارة التربية الوطنية ومؤسسات مغربية كبرى، وقد أذهلت نتائجها في مباريات المدارس الكبرى الفرنسية المجتمع التعليمي الدولي بأكمله.

ثانوية التميز بنجرير (Lydex): الرائدة

بدأت القصة في بنجرير عام 2015، حيث وقعت مؤسسة OCP ووزارة التربية الوطنية اتفاقية أثمرت عن تأسيس ثانوية التميز محمد السادس، والمعروفة بـ Lydex. يقع هذا الحرم المدرسي الممتد على 18 هكتاراً في المدينة الخضراء محمد السادس، بجوار جامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية.

هذه المؤسسة ليست مجرد ثانوية، بل هي نظام بيئي تعليمي متكامل يضم أقساماً داخلية، مختبرات متطورة، ومرافق رياضية وثقافية. تعتمد فلسفتها على ثلاثة ركائز: التميز الأكاديمي، الانفتاح الاجتماعي عبر نظام المنح، والبعد الوطني الذي يسمح للطلبة النبغاء من كل ربوع المملكة بالولوج إليها بغض النظر عن وسطهم الاجتماعي.

تتحدث النتائج عن نفسها؛ ففي عام 2024، احتل Lydex المرتبة الثامنة عالمياً في مسلك الرياضيات والفيزياء (MP) حسب تصنيف مجلة L'Étudiant الفرنسية، متفوقاً على ثانوية لويس الأكبر (Louis-le-Grand) العريقة بباريس.

ثانوية التميز محمد السادس بالدار البيضاء (LEM6)

استمراراً لنجاح بنجرير، فتحت مؤسسة ثانية تحمل نفس الاسم أبوابها في قلب القطب المالي للدار البيضاء. ثمرة شراكة بين مؤسسة محمد السادس للعلوم والصحة ووزارة التربية الوطنية، تضيف هذه الثانوية بُعداً جديداً بدمج الشعب الاقتصادية والتجارية إلى جانب الشعب العلمية. يطمح طلابها لولوج كبريات مدارس الهندسة والتسيير في المغرب وفرنسا.

ثانوية الزهراوي بالرباط: المفاجأة التي لم تعد كذلك

في الرباط، وداخل الحرم الجامعي لجامعة أبو القاسم الزهراوي الدولية للعلوم الصحية، وُلدت ثانوية الزهراوي من اتفاق بين وزارة التربية الوطنية ومؤسسة الشيخ زايد. لم يستغرق الأمر وقتاً طويلاً لتصنع اسماً لنفسها. في عام 2024، انتزعت المرتبة الثانية عالمياً في مسلك (MP) في تصنيف L'Étudiant، خلف ثانوية Sainte-Geneviève بفرساي مباشرة. إنه إنجاز يفرض الاحترام لمؤسسة مغربية.

ثانوية البحر الأبيض المتوسط (Lymed) بمرتيل

هي الأصغر سناً في هذه المجموعة، مدعومة من مجموعة طنجة المتوسط وتستقر في مدينة مرتيل. التحق الفوج الأول بها في 2021 فقط، ومع ذلك، حققت نتائج أذهلت الجميع. في 2024، احتلت المرتبة التاسعة عالمياً في مسلك MP. وفي 2023، تم قبول أربعة من طلاب فوجها الأول في مدرسة البوليتكنيك بباريس، مؤكدة أن نجاح النموذج المغربي ليس مجرد صدفة.

أرقام مذهلة ومبهرة

في عام 2023، تم قبول 25 طالباً مغربياً من الأقسام التحضيرية في مدرسة البوليتكنيك بباريس. منهم 23 طالباً جاؤوا من ثانويات التميز (الشراكة بين القطاعين العام والخاص): 17 من Lydex، 4 من Lymed، و 2 من الزهراوي. وفي 2026، وحسب تصنيف 'لو فيغارو'، فإن ثمانية من أصل أفضل عشرة أقسام تحضيرية أجنبية للولوج للبوليتكنيك هي أقسام مغربية. لقد أصبح المغرب يلعب في ساحة أفضل المؤسسات الأوروبية.

الولوج لثانويات التميز: كيف يتم ذلك؟

يتم الولوج إلى هذه المؤسسات عبر مسارين متميزين. الأول (المسار 1) مجاني بالكامل: يحصل الطلاب الذين يتم اختيارهم بناءً على تفوقهم الدراسي ووضعهم الاجتماعي على منحة تغطي الرسوم، الإقامة، والإطعام. وهذا يجسد البعد الاجتماعي للمشروع: طالب لامع من أسرة بسيطة في الرشيدية أو تارودانت يمتلك نفس حظوظ الولوج كطالب من الدار البيضاء.

أما المسار الثاني (المسار 2)، فيتطلب مساهمة مالية يمكن تخفيضها بناءً على الوضع المادي للأسرة. وتجدر الإشارة إلى أن ترتيب الولوج لثانويات التميز مستقل تماماً عن اللوائح العمومية، مما يمنح الطالب حرية الاختيار إذا قُبل في كليهما.

بيداغوجيا مبنية على الثقة والتعاون

ما يميز هذه المؤسسات حقاً هو مقاربتها الإنسانية للتميز. لا تُشجع هنا المنافسة الشرسة بأي ثمن، بل يتم تعزيز التعاون والثقة بالنفس وبالآخرين. يدرك الطلاب سريعاً أن التقدم معاً أكثر فعالية من التنافس الفردي، في حين يلعب الأساتذة دور الموجهين (Mentors) إلى جانب دورهم الأكاديمي.

خلاصة

لقد أصبحت ثانويات التميز المغربية في أقل من عقد من الزمان فخراً وطنياً ونموذجاً تعليمياً معترفاً به دولياً. إنها تثبت أن الطموح الجماعي، عندما تدعمه المؤسسات والموارد المناسبة، قادر على تغيير مصير جيل بأكمله.

روابط مفيدة (البوابات الرسمية)